أبو علي سينا

28

أحوال النفس ( رسالة في النفس وبقائهما ومعادها ) ( و يليها ثلاث رسائل في النفس )

وعنده أن القوى المدركة صنفان ، صنف يدرك من خارج وهذه هي الحواس الخمس ، وصنف يدرك من باطن ؛ وهذه إما أن تدرك صور المحسوسات ، وإما أن تدرك المعاني المستمدة من المحسوسات ، وإما أن تتصرف في الصدر والمعاني فتركب بعضها مع بعض . ولكل نوع من أنواع هذه الإدراكات اسم معين . وأول هذه القوى فنطاسيا ، وهو اسم يوناني يراد به التخيل ، وتسمى الخيال أو المتخيلة ، وهذا هو المعنى الّذي ذكره أرسطو في كتاب النفس ، حتى لقد قال إن فنطاسيا Phantasia مشتقة من فاوس Phaos أي النور . ويسميها ابن سينا الحس المشترك ومكانها التجويف الأول من الدماغ ، وتقبل جميع الصور المنطبعة في الحواس . ولكن الحس المشترك عند أرسطو يختلف عن ذلك ، لأنه هو الّذي يدرك الحركة والسكون والشكل والمقدار والعدد والوحدة ، وهذه أمور توجد في المحسوسات ولكن الحس لا يدركها ، ومن وظائف الحس المشترك أيضا إدراك الإحساس ، ومعرفة التغاير بين المحسوسات « 1 » . ومن هذا يتبين الخلاف الشديد بين نظريات المعلم الأول والمعلم الثالث . والقوة التي تلى فنطاسيا « 2 » يسميها تارة الخيال وتارة أخرى المصورة ، وموضعها في آخر التجويف المقدم من الدماغ ، ووظيفتها أن تحفظ ما قبله الحس المشترك بعد غيبة المحسوسات . والقوة الثالثة هي المتخيلة ، وتسمى المفكرة بالنسبة إلى النفس الإنسانية ، وموضعها في التجويف الأوسط من الدماغ ، ومن شأنها أن تركب بعض الخيال مع بعض وتفصله عن بعض بحسب الاختيار . والرابعة هي المتوهمة ، أو الوهمية ، في نهاية التجويف الأوسط من الدماغ ، وهي التي تدرك المعاني غير المحسوسة الموجودة في المحسوسات الجزئية .

--> ( 1 ) انظر ترجمة كتاب النفس لأرسطو ، أحمد فؤاد الأهوانى والأب قنواتى 1949 القاهرة ص 93 - 101 . ( 2 ) قد ترسم أيضا بالباء فيقال بنطاسيا .